علي الهجويري

55

كشف المحجوب

وقد أطلقت كلمة الصوفي على كاملى الولاية ومحققي الأولياء ، ويقول أحد المشايخ : « من صافاه الحب فهو صاف ومن صافاه الحبيب فهو صوفي » . ولا تخضع هذه الكلمة للاشتقاقات اللغوية المعروفة إذ أن الصوفية من الرفعة بحيث لا يكون لها أصل تشتق منه . ذلك أن اشتقاق شيء من شيء آخر يتطلب المجانسة ، وكل ما هو موجود عكس للصفاء ، ولا يمكن اشتقاق شيء من نقيضه . ومعنى الصوفية بالنسبة للصوفى واضح كضوء الشمس ، وليس في حاجة إلى شرح وتوضيح ، لأن الصوفي ممنوع عن العبارة والإشارة . وبما أن كلمة صوفي تتطلب شرحا ، فإن كل الناس يحاولون تفسيرها ، سواء عرفوا قدرها أم جهلوه ، أثناء تعلمهم معناها . ويقلب الكامل منهم « بالصوفي » ويسمى المريدون والطلاب « بالمتصوفة » إذ أن تصوف على وزن « تفعل » وهو يعنى التكلف ، وهو فرع من الأصل ، والفرق في المعنى والاشتقاق واضح : « فالصفاء ولاية لها آية ؛ والتصوف محاكاة للصفاء بلا شكاية » وعليه فان الصفاء ساطع رائع ، والتصوف محاكاة له . والناس من هذا في درجات ثلاث : صوفي ومتصوف ومتشبه . فالصوفى من فنى عن نفسه وعاش بالحق ، من نجا من قبضة الطبائع واتصل بحقيقة الحقائق . والمتصوف من يحاول الوصول إلى هذا المقام عن طريق المجاهدات ، ويحاول أن يصحح من سلوكه ، محتذيا حذو الصوفية . أما المتشبه فهو من يتشبه بالصوفية ، من أجل المال والثروة ، والجاه والعرض الدنيوي وليست له معرفة بالصوفية أو التصوف . ولهذا قيل : المتشبه عند الصوفية كالذباب ، وعند الآخرين كالذئب المتوحش ، كل همه التمزيق أو أكل الجيفة . ولهذا فان الصوفي صاحب وصول ، والمتصوف صاحب أصول ،